Thursday, July 10, 2014

الطاقة والذبذبات: أسئلة تبحث عن إجابات

كثُر الحديث عن الطاقة والذبذبات، واختلف موقف الناس بين مصدق ومكذب، لذا رغبت في كتابة هذا المقال لعله يكون بابا للتفكير الناقد فيما يُطرح

وقبل البدء أسأل الله أن تكون نية هذا العمل ما ذكره الإمام الشافعي "ما ناظرت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدّد ويُعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما ناظرت أحدا إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه"، وكما قال الحسن ابن الهيثم "الواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي حواشيه ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه" 

من النقاط الجوهرية في أي دراسة أو بحث علمي أو حتى نقاش اجتماعي هو الارتكاز على المعلومة الصحيحة. 

السؤال الأول: أين نجد المعلومات الصحيحة؟
للإجابة على هذا السؤال سنستعرض كيف تُضاف المعرفة للمحتوى العلمي؟ أي كيف تتنقل أعمال الباحثين ونتائجهم من المعامل والمكاتب إلى الكتب والدوريات والموسوعات العلمية.
يتم ذلك عبر نشر نتائج البحوث، والتي تتبع منهج البحث العلمي، في الدوريات العلمية المحكمة. 
يٌنسب انشاء منهج البحث العلمي للعالم الحسن ابن الهيثم، حيث كان من أوائل من دعوا لاستخدام التجارب المعملية كبديل للفكر النظري الفلسفي وأيضا التأكد من الوصول لنفس النتائج عند تكرار التجربة، أي ثبات ومصداقية النتائج
يرتكز منهج البحث العلمي على أربعة ركائز:
  1. صياغة قضية البحثوهو السؤال الذي سيدفع الباحث للتنقيب في المصادر العلمية عن آخرين قاموا بالبحث عن إجابة لهذا السؤال حسب المنهج العلمي.
  2. وضع فرضيةبعد البحث المبدئي لصياغة السؤال يكون الباحث قادرا على وضع فرضية سيسعى لإثباتها أو دحضها من خلال بحثه وتجاربه.
  3. القيام بالتجربةيقوم الباحث بتصميم تجربة للنظر في أن ما يحدث في الحياة متوافق مع الفرضية التي وضعها، ولهذه التجارب شروط يجب استيفائها عند القيام بها، منها أن يكون القياس محايدا ولا يميل لإظهار نتيجة معينة دون أخرى، وأن هناك معايرة للأجهزة لتكون القراءات دقيقة وصحيحة، وأن الجهاز يقيس ما نريد قياسه، وتحديد المتغيرات الثابتة والمستقلة والتابعة وتكرار التجربة عدة مرات للتأكد من ثبات النتائج، وأخيرا حساب نسبة الخطأ في النتائج.
  4. تحليل النتائج: ويشمل ذلك دراسة النتائج وهل هي منطقية أم لا، وهل مستوى الثقة بها عالي، وهل تتوافق مع ما سبق اثباته وإن كانت لا تتفق هل يوجد تفسير منطقي لذلك.
بعد الانتهاء من البحث يقوم الباحث بكاتبة ورقة علمية عن بحثه ونتائجه ويقوم بإرسالها لمجلة علمية في مجال تخصص البحث. هذه المجلات تعين محكمين من المتميزين في التخصص (عددهم اثنين أو ثلاثة أو أكثر) لمراجعة البحث والنتائج. في الغالب يكون هناك مداولات ونقاش حول البحث للتأكد من النتائج وبعد اتفاق المحكمين على صحة البحث تُعطى الموافقة للنشر في المجلة العلمية وبهذا تُضاف المعرفة الجديدة للمحتوى المعرفي. أي نتائج تزعم أنها علمية ولا تتبع هذا المنهج العلمي  تُصنف على أنها "علم زائف".
بعض الباحثين يدفعهم، بعض الأحيان، الحماس غير المحمود فيتخطون طريقة النشر العلمي المتعارف عليها ويلجؤون للصحف والتلفاز والمجلات العامة والانترنت لنشر نتائجهم، وفي الغالب تكون النتائج ركيكة وغير متحقق منها. وعندما يحاول العلماء تكرار التجربة للحصول على النتائج المزعومة، لا يتمكنوا من ذلك. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك زعم الحصول على الاندماج النووي في درجة حرارة الغرفة في عام 1989 م وزعم اكتشاف جسيم له سرعة أعلى من سرعة الضوء في الفراغ عام 2011 م.   

السؤال الثاني: ما دورنا كمتابعين مما نسمع عنه من اكتشافات ومزاعم؟
نسمع يوميا من يزعم أن لديه وصفة لعلاج السرطان، أو حبوب لتخفيض الوزن في أسبوع، أو حجر يمكنه أن يمدك بالطاقة، أو عبارات يمكن أن تجعلك ثريا وغيرها كثير، فكيف نحدد موقفنا منها؟
هناك خطوات يمكن أن نتبعها للتحقق من تلك المزاعم لكي لا نقع ضحية جهلنا، مثلا ينبغي:
  1. التعرف على مصدر المعلومة وهل هو مصدر موثوق؟
  2. أين نشرت النتائج؟ هل فقط في وسائل الإعلام والمجلات العامة أم في المجلات العلمية المحكمة؟ وهل هي منطقية وتتوافق مع ما تم اكتشافه إلى الآن؟
  3. بغض النظر عما إذا كانت النتائج المزعومة تتوافق مع قناعاتنا، فإن المنهج العلمي الرصين هو المرجع في إثبات القضايا العلمية.
  4. في حال أشكل علينا الفهم فعلينا سؤال أهل الاختصاص ليتم امتحان هذه المزاعم من قبل جهات موثوقة مختلقة للتحقق من صحتها.

السؤال الثالث: هل يخرج من جسم الإنسان ذبذبات أو موجات كهرومغناطيسية؟
يزعم البعض أن جسم الإنسان له ذبذبات أو يشع موجات كهرومغناطيسية، وأن هذه الموجات هي منشأ التوافق أو التنافر بين الناس ومنشأ العين التي يُصاب بها البشر ويمكنها  التأثير في الأشياء باستخدام القوى العقلية.
فللتأكد من هذا الزعم يمكننا طرح الأسئلة أعلاه.
ما هو مصدر الدراسة التي تقول بذلك وأثبتته؟ هل هي منشورة في مجلة علمية محكمة؟ يمكن معرفة ذلك بالبحث في قواعد البيانات الإلكترونية والتي تضم عددا كبيرا من المجلات العلمية المحكمة، مثل Science Direct  أو Scopus 
يُستشهد باسم الدكتور ويليم تيلير كفيزيائي يبحث في علم الطاقة النفسية. الدكتور تيلير متقاعد من جامعة ستانفورد ومتخصص في علم المواد. للدكتور تيلير حاليا بعض المقاطع والكتب والمحاضرات والتي تتحدث عن الطاقة النفسية Psychoenergetics. .  السؤال الآن هو هل له نشر علمي رصين في هذا المجال؟ بالبحث في المجلات العلمية يتبين أن للدكتور نشر كبير في علم المواد وهو علم قائم حقيقي ولكن لم أجد له نشر علمي في الطاقة النفسية غير بحث واحد عن تغير معامل حموضة الماء. تم نشر هذا البحث في مجلة Journal of Scientific Exploration  وهي مجلة تلاقي نقدا كبيرا في الأوساط العلمية وهي ليست من ضمن المجلات التي يعتد بها في المجال العلمي وخصوصا وأنها ليست مقرة ضمن مجلات Web of Knowledge مثلا.
فالسؤال المطروح هل كرر أحد تجربة الدكتور تيلير بحسب المنهج العلمي فحصل على نفس النتيجة؟ الله أعلم فلم أجد بحثا منشورا يؤيد ذلك.
مثال آخر هو الدكتور كابرا مؤلف كتاب Tao of Physics فهو فيزيائي من جامعة بيركيلي في الفيزياء النظرية له نشر علمي في الفيزياء النظرية ولكن في ربط الهندوسية بميكانيكا الكم ليس له سوى كتب للعامة، وهنا وجب التفريق بين النشر العلمي المحكم وبين وضع الإنسان أراءه الفلسفية، غير المستندة على تجارب، في كتاب غير محكم علميا.
نعود لموضوع زعم خروج ذبذبات أو موجات كهرومغناطيسية من الإنسان. منذ أكثر من مائة عام بدأ الإنسان التعرف على الطيف الكهرومغناطيسي وتصنيفه ووضعه في تطبيقات عديدة مثل المذياع والتلفاز والجوالات وفي علاج السرطان وتصوير كسور العظام وغيرها من التطبيقات الكثيرة والمتنوعة.
يوضح الشكل أدناه الطيف الكهرومغناطيسي. جزء من الطيف مرئي، أي يمكن أن نراه بالعين المجردة وهي جميع الألوان التي نراها من الأحمر إلى البنفسجي، أما باقي الموجات الكهرومغناطيسية فهي غير مرئية ونحتاج أجهزة إلكترونية تعمل ككواشف لهذه الأشعة لتبين لنا وجودها. 
  

كل موجة كهرومغناطيسية نستطيع معمليا رصدها ووصفها ومعرفة ترددها وطولها الموجي ومقدار الطاقة التي تحمله، بالتالي إذا كان جسم الإنسان يصدر موجات كهرومغناطيسية فبالتأكيد يمكن رصدها
مثبت علميا أن جسم الإنسان يُصدر موجات تحت حمراء، وهي الحرارة التي يصدرها الجسم ويمكن رصدها بواسطة كاميرا حرارية، كما في الشكل أدناه. هذه الحرارة ناتجة عن العمليات الكيميائية التي تحدث في الجسم أثناء حرق الغذاء وانتقال الدم والحركة الميكانيكية للأعضاء، مع التنبيه على أن هذه الألوان التي تظهر في الصورة ليست ألوان حقيقة، لأن الأشعة تحت الحمراء غير مرئية، وهنا تتدخل البرامج الحاسوبية في إعطاء الموجات المختلفة ألوان مختلفة لتسهيل تميزها بالنظر. 


ومع أنّ جميع الكائنات، الحية منها و غير الحية تصدر موجات كهرومغناطيسية لكون درجة حرارتها أعلى من الصفر المطلق، إلا أن من يزعم بأن الإنسان له طاقة إيجابية وسلبية، ويصدر موجات كهرومغناطيسية غير الحرارة، لم يقدم  وصفا علميا حول تلكم التجارب. ففي أي مجال من الطيف الكهرومغناطيسي تقع تلك الموجات؟ وما مصدرها؟ وما وصفها، أي طولها الموجي وترددها وطاقتها؟ وما هو الكاشف الإلكتروني الذي رصدها؟ كيف تتغير من شخص لآخر؟ ما العوامل التي تجعلها تتضخم أو تتضاءل؟ هذه الأسئلة ليست لها إجابات في المراجع العلمية المحكمة.

السؤال الرابع: هل كل جهاز يمكن الاستناد على قراءاته علميا؟
لنأخذ مثال جهاز كشف الكذب. هذا الجهاز غير معتمد في المحاكم رغم أنه يعطي قياسات فلماذا هو غير معتمد؟ الجواب ببساطة أن المجرم المحترف بذكائه يمكنه أن يتحايل على هذا الجهاز بالتحكم في أعصابه فيقلل توتره وتنفسه، بينما الصادق نتيجة خوفه وتوتره قد يحكم الجهاز بكذبه وهو صادق. عدم الدقة في الرصد أو وجود عوامل عديدة تتحكم في النتيجة غير موجودة مثلا في جهاز أشعة اكس، والذي سيظهر كسر في العظام سواء كان الإنسان متوترا أو خائفا أو كاذبا أو صادقا.  

السؤال الخامس: ما هو دافع الدكتور ويليم تيلير للبحث في الطاقة النفسية؟
في مقابلة للدكتور لويليم تيلير، بين أن دافعه للبحث في هذا المجال هو أن العلم أصبح ماديا وتم فصل العلم عن الدين والإيمان وفصل الجسد والمادة عن الروح، لذا هو يبحث في الجانب الروحي للإنسان وللكون ويريد رصده، لكن أليس ذلك محاولة جعل الجانب الروحي ماديا أيضا يمكن لمسه وقياسه؟
وبعيدا عن التجارب العلمية، فإننا نحن البشر تمر بنا أيام يزيد فيها الإيمان أوينقص، نتأرجح بين القبض والبسط وبين الذنب والطاعة، والله سبحانه وتعالى الستير يستر علينا فلا يعلم من البشر ما بدواخلنا وفقط الله سبحانه وتعالى (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ألن يكون من كشف الستر أن يستطيع بشر ما أن يعلم ما بدواخلنا أو يتحكم بها؟ في ظل عدم وجود دليل علمي يناقض ذلك. 

السؤال السادس: ما هي الخلاصة؟
ما زالت هناك أسئلة لم يُجاب عليها. 
فهل العين حق؟  الجواب: نعم
هل يحدث تخاطر وتشعر الأم أحيانا بقلق عند وقوع مكروه لأبنائها؟ الجواب: ممكن
هل تفسير ذلك خروج موجات كهرومغناطيسية من الإنسان؟ لم يثبت العلم ذلك عبر بحث علمي رصين
إذا ما تفسير كل ذلك؟ الله أعلم. قد نكتشفه بعد المزيد من البحث العلمي أوقد نصل للتسليم بأنها تندرج تحت (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا).
كثيرا ما أتساءل ما الذي يبحث عنه المهتمون في مجال الطاقة النفسية والروحية؟  يبحث  تيلير وكابرا وكروتكوف عن الروحانية، عن الصلة بخالق هذا الكون. المهتمون بالطاقة الروحية من المسلمين عن ماذا يبحثون؟ إن كان البحث هو لإيجاد وسيلة لسبر أعماق الإنسان والاستفادة من جميع قوى الإنسان أفلا يكون في هذا الحديث القدسي كفاية؟ عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:  (إن الله تعالى قال : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعـطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه)


ختاما: 
إن التسرع في ربط الغيبيات والإيمانيات بظواهر علمية، لم تثبت إثباتا علميا رصينا، قد يكون ضرره أكبر من نفعه، فمثلا لو لم يجد العلماء موجات تخرج من عين العائن فهل سينفي هذا حقيقة العين؟ ويندرج تحت هذا أيضا محاولة ربط ما جاء بالقرآن والحديث بظواهر علمية لوجود تشابه في مصطلح ما لإثبات إعجاز علمي للقرآن والسنة.  

إن لنا في سيدنا ابراهيم عليه السلام أسوة حسنة، فعندما بدأ رحلته لتعريف قومه على خالقهم، نظر فيما حوله واستخدم التفكير الناقد وطرح الأسئلة ودراسة الأدلة ومقارنتها بما هو مشاهد إلى أن أوصل قومه بالحجة إلى الحق.

(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)).

إن ديننا الإسلامي هو دين العلم، فأول أمر لنا هو (اقرأ) وتلته أوامر بالتفكر والتدبر، فلنبدأ من هنا. 

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم زدنا علما والحقنا بالصالحين، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.



5 comments:

  1. أعجبتني المقالة. جزاك الله خيرا. آمل نشرها في المجلات ووسائل الإعلام المختلفة
    ورمضان كريم

    ReplyDelete
  2. ماشاءالله.. مقال موفق..بارك الله في علمك

    ReplyDelete
  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    مقال ممتاز وضّح طريقة التحقق من المعلومة بالأمثلة, ولكن ناقضتِ نفسك في نهاية المقال بإجابتك عن حقيقة وجود العين بالإيجاب.
    فعلى أي اساس أثبتِ حقيقة العين؟
    هل مجرد ثبوتها شرعياَ في السنة كفيل بثوتها علمياَ؟

    ReplyDelete
    Replies
    1. السلام عليكم ورحمة الله

      نعم الباحث المؤمن حين يثبت الوحي ( قرآن أو سنة صحيحة) قضية ما. فهي إذن حقيقة ثابتة لا نزاع فيها

      Delete
  4. ما احوجنا الى نشر مثل هذه المقالات التي تتحلى بالموضوعية بعيدا عن التطرف والاراء الشخصية وما احوج معلمينا ومربينا للتحلي بالتفكر الناقد امتثالا لشرع الله

    ReplyDelete